مقدمة:

الدين نظام شامل للحياة و هو أهم عنصر في تكامل الثقافة و تجانسها خاصة و أنه يتجلى في شكل معايير و قوانين و شرائع محددة لنوعية السلوك الواجب إمتثاله اجتماعيا من حيث الاستجابة لنوعية الواجبات المفروضة على الانسان نحو الله و نفسه و أفراد مجتمعه.
و قد تفسر هذه الحقيقة اهتمام علماء الاجتماع و الأنثروبولوجيا بالدين و تكريسهم حيزا ضخما من جهودهم لدراسته، كما أن الدين يمكن أن يفسر كأحد الأنساق الايديولوجية التي تعبر عن منهجية متميزة في إدراك نوعية التفاعل داخل الجماعة وفق أسلوب يرفض التغيير و بل و يقاومه في بعض الأحيان لهذا يملك الدين قوة جبارة في ضبط السلوك و نوعية القيم و الأخلاق الخاصة بالجماعة من أجل المصلحة العامة.
و الذي لاشك فيه أن الدين مقوم أساسي و رئيسي لكافة الثقافات على اختلافها و بجميع تشكيلاتها و ول أن " بارسونس " يرى أن الدين نظام من المعتقدات و الممارسات المتعلقة بالأشياء المقدسة أي ليس له تأثير على الحياة الاجتماعية و الثقافية بالمعنى الحقيقي و الفعلي.

ملامح التجربة الدينية:

لقد وضع " جاكوم ووش " أربع ملامح أساسية ذات أهمية خاصة في كل التجارب الدينية:
* التجربة الدينية لا تكون ذاتية فحسب، بل تتواصل مع الحقيقة العليا مما جعل " ووش" ينظر اليها على أنها غامضة و لا متناهية لذلك لا يمكن ادراكها من خلال الممارسة المباشرة،  فهي حالة شعورية أكثر من كونها حالات عقلية أو فكرية.
* التجربة الدينية ليست جزئية، إذ تشمل حياة الانسان بكاملها قلبيا و وجدانيا و اراديا.
* التجربة الدينية ذات تأثير واضح و فعال و ضخم على أفكار وأفعال القائمين بها.
* التجربة الدينية تجربة جماعية، تتبع مؤسساتها الخاصة التي تمارس فيها الطقوس و العبادات و سلوكيات إجتماعية تضامنية تآلفية من ارتباط الأفراد ببعضهم البعض و بالدين.
       لقد ذهب بعض علماء الاجتماع الى القول بان الابتعاد عن الدين من العوامل التي تساعد على تزايد نسبة الاجرام، و لقد قال عالم الاجتماع الفرنسي " فابريال " ذلك، حيث يرى أن الابتعاد عن ممارسة الشعار الدينية تزيد من نسبة الاجرام.
و لقد ظهر ذلك جليا في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، حيث ظهر بين الشباب اتجاه هجر ممارسة الشعائر الدينية و التي تزيد حسبه ( الشعائر الدينية ) من مقاومة النوازع الاجرامية، إذ قرن هجر ممارسة الشعائر الدينية بالتخلي عن القيم الأخلاقية التي تستمدها من الدين.
في حين ذهب عالم الاجتماع الايطالي " انريكو فيري " الى أن تقهقر ممارسة الشعائر الدينية تساعد على مكافحة الاجرام و ذلك بإلغاء الأديرة التي تعد اوكار للجرائم الأخلاقية و التسول، كما أوصى فيري بزواج الرهبان و الراهبات للحد من جرائم الزنا و الاجهاض و قتل الأطفال حديثي الولادة.
و ينتهي فيري إلى ان الدين يعد عاملا من العوامل التي تساهم في زيادة الاجرام كما هو الحال كذلك لطائفة دينية في الهند، من اتباع الالهة كالي أو ديفي، فأتباع هذ الطائفة يرتكبون جرائم الخطف و قطع الطريق و القتل لاعتقادهم انهم يتقدمون بدماء الضحايا من الطوائف الدينية الأخرى قربانا لهذه الآلهة.
كما أجريت العديد من الدراسات من محاولة تحديد أثر اختلاف العقيدة على ظاهرة الاجرام الذي قام بها العالم الألماني " آشا " و العالم الهولندي " بونجر " حيث تبين أن نسبة اجرام الكاثوليك أكثر من اجرام البروتستنت و لكن بعد فترة من الدراسات التي قام بها العلماء انتهو الى أن سبب ذلك هو تردي الاوضاع الاجتماعية و الاقتصادية التي عاشوها مقارنة بالظروف التي يعيشها البروتسنت.
كذلك في الولايات المتحدة أجريت دراسات مماثلة على الطوائف الدينية المختلفة و التي اشارت الى ارتفاع نسبة المتدينين من المحكوم عليهم داخل السجون لأكثر من 50% عن المتوسط العام من المتدينين في الولايات المتحدة الأمريكية، و لكن بعض الدراسات تفسر هذه الزيادة بارغبة في الحصول على التسريح المشروط مقابل حسن سيرتهم وسلوكهم.
أشار الأستاذ " شوترلند " أن بعد السجناء عن الدين هو الذي انتهى بهم الى السجون، و أن أنخراطهم في الدين بعد دخولهم السجون هو كذب ونفاق الهدف منه هو الحصول على الافراج المشروط.
 و تأسيسا على ماسبق يمكن القول أن مقارنة إجرام الطوائف الدينية المختلفة لا يفصح عن نتائج يمكن التعويل عليها، فالدين لا يعد العامل الوحيد الذي يؤثر في إجرام طائفة معينة دون أخرى و إنما الظروف التي تعيشها أي طائفة هي التي تلعب دورا هاما في نسبة الاجرام.

 دور التعليم الديني في الوقاية من الاجرام:

أكدت بعض الدراسات الأمريكية الأثر الايجابي للتعلم الديني على انخفاض نسبة إجرام الأطفال مقارنة بالأطفال الذين حرمو من تعاليم الدين، كما ظهر عن بعض الدراسات أن عدد كبير من المجرمين قد تلقى تعليما دينيا منذ نعومة أضافره.
و عليه يمكن القول ان هذه الدراسات لا يمكن التعويل عليها الا إذا أجريت المقارنة على مجموعتين من الأفراد في أوساط اجتماعية مماثلة، أو على اختلاف في نوع التعليم الديني الذي تلقته كل مجموعة.
و الحقيقة التي لا يمكن انكارها أن غرس القيم الدينية في نفةس الأطفال منذ صغرهم من شأنه أن يصقل شخصيتهم و يهذب سلوكهم و يقوي في نفوسهم القدرة على مقاومة الانحراف مما ينعكس أثره على الاقلال من النسبة العامة للاجرام، و لكن المقصود بالدين الحقيقي الذي يعد في المقام الاول عقيدة روحية و قيم نبيلة تستر في أعماق النفس و الوجدان و بعيدا عن الشكلية في ممارسة الشعائر الدينية.
فبعض العبادة عادة و بعضها نفاق و البعض الآخر رياء للتمويه عن سلوكهم الغير قوي و قد يرتكب بعض الانواع المختلفة من الجرائم مثل: الاعتداء دفاعا عن الدين و باسم الدين فيتحول الدين الى تعصب يقود الى ارتكاب الجرائم أو الى نشوب حروب أهلية أو فتن طائفية تعود الى فهم الدين الخاطئ.

المؤسسة الدينية و الانحراف


مفهوم المؤسسة الدينية:

المؤسسة الدينية مفهوم يحمل معاني متنوعة و مختلفة في بعض الأحيان، و يمكن اختصارا أن نقول بأن المؤسسة الدينية هي: نظام ديني مقدس يتبنى خطابا روحيا وقيميا و توحيديا مسيطرا على السلوك الانساني من حيث منطلقاته و وسائله و أهدافه، أيه هي اطار اجتماعي يوضف الدين كأداة للضبط الاجتماعي و صياغة القيم و حماية المجتمع من الانحراف المرادف و المصاحب لعملية التغير الاجتماعي و ضمان حالة من التوافق النفسي و الثقافي بين مختلف أنضمته و أنساقه.
و المؤسسة الدينية وحدة للتنشئة الاجتماعية لا على أساس الوضيفية الاجتماعية، و إنما على الأساس المقدس بما يحمله من هيبة و غيبية و ممارسات تتجاوز بالوجود الانساني من مقتضيات المادة الى عالم الغيب بما فيه من رحابة تحرر الفرد من ضغوطات الحياة الاجتماعية الخالصة.
كما أن المؤسسة الدينية هي أيضا سلطة روحية و إجتماعية تعمل على تكريس قناعاتها في الوسط الاجتماعي و صياغة سلوك الأفراد و المؤسسات و صناعة مفاهيمهم و تصوراتهم.

أشكال المؤسسات الدينية في الوطن العربي

01/ المسجد:

هو أحد ركائز الممارسة الدينية الاسلامية و يعد مؤسسة اجتماعية تقوم بوظائف متعددة و حساسة من أبرزها العبادة، التربية، التعليم، إصلاح ذات البين، الاجتماع و الالتقاء، التعاون .....
و هكذا نلاحظ أن المسجد مؤسسة اجتماعية حقيقية و مصدر اساسي في عملية التنشئة الاجتماعية بحيث يمون البناء الاجتماعي العام بأدوات و آليات تنشيئية فعالة تحقق التوافق و التوازن الاجتماعي و هو ما أكد عليه الدكتور" عبد العزيز المعيطة "، في كتابه " المدخل في أصول التربية الاسلامية "حيث يقول أن المسجد مركز تنشيئي محوري في منضومة البناء الاجتماعي الاسلامي، و يساهم في الاعداد على الفضيلة و يحقق الوعي الاجتماعي و يعرف بالحقوق و الواجبات و هو أيضا مصدر اشعاع خلقي يتشبع فيه الأفراد بالقيم الخلقية و الاجتماعية السليمة و بهذا يصبح المسجد مؤسسة تنشيئية تكرس معنى القدرة الايجابية التي تتفاعل عند التقاء الناشئة بالراشدين فيسمو في نفوسهم الشعور بالراحة بقوة الارتباط بالمجتمع و قيمه و الاعتزار بالانتماء اليه و يساهمون في بناءه الحضاري.

02/ الزوايا:

هي مدارس دينية اسلامية و تعليمية متخصصة لها تأثير أخلاقي و اجتماعي وسياسي و اقتصادي بالغ في المحيط الذي توجد فيه و هي أيضا معاهد يجتمع فيها الباحثين عند العلم الشرعي و كانت لها اسهامات في الحياة الاجتماعية خاصة في شؤون التضامن الاجتماعي و حماية الفقراء و الأرامل و إيواء المشردين و عابري السبيل  و إطعام الصائمينبالاضافة الى الانقطاع للعبادة و الجهاد و المقاومة ضد الوجود الاستعماري، و هي ايضا نظام اجتماعي معقد له تفاعلاته الاجتماعية الخاصة و أنماط متميزة من العلاقات الاجتماعية التي تقوم على اساس الطاعة و الولاء كما انها بناء من المعايير و القيم يصنع عند رواده سلوكيات خاضعة لما هو متفق عليه اجتماعيا مالم يخالف أصلا من أصول الشريعة لذلك يتميز روادها من الناحية السلوكية بالالتزام الكلي و احترام الدين و التقاليد و القيم و الأعراف ما يعني أن الزوايا تعمل على تحقيق الاستقرار و التوازن الاجتماعي و حفظ حدة التورات و النزاعات، و تضييق الخناق على أسباب و منافذ الإنحراف.

المؤسسة الدينية و السلوك الانحرافي

* المؤسسة الدينية و الوقاية من السلوك الانحرافي:

المؤسسات الدينية الاسلامية فيها منظومة من القيم و المعايير المتكاملة في حالة استخدامها استخداما مقبولا تؤدي الى انتاج السلوك المثالي و السلوك السوي، و من اجل الوصول الى تحقيق هذه الغاية اعتمدت هذه المؤسسات على منهج قاصد متوازن بين روحانية الانسان و ماديته، وبين المتطلبات الفردية الذاتية و المتطلبات الاجتماعية العامة.
ويمكننا الاشارة الى هذا المنهج من خلال المؤشرات التالية:

01) البناء النفسي الروحي:

يبدأ الخطاب في المؤسسة الدينية الاسلامية بالجانب النفسي الروحي، لأن السلوك هو المرآة التي تعكس الحالة النفسانية كما أشار اليه " ماصلو " في نظريته حول دافعية السلوك حين أكد على وجود هدم ذاتي في قمته الحاجات النفسية و الروحية التي تسعى الى تحقيق و اثبات الذات و انتاج السلوك بالصورة المولدة للراحة، و الانسجام مع الحاجات الفيزيولوجية و الاجتماعية، وهذا ما أكد عليه رواد المنهج التربوي الاسلامي بالقول أن العبادة و هي قيمة روحية تؤدي الى اكتساب الادب و التخلق بأجود الأخلاق، أو كما أكد عليه الامام " المخاشبي " حيث أكد أن سلامة الحالة النفسية تعد خلفية خصبة في زيادة الخلق و محاربة الهوى و الحذر من الخطأ و السعي في الصواب.
و هذا كله يعني ان الحالة النفسية و الروحية لها سلطة عظيمة على السلوك و صياغته بعيدا عن أسباب و شروط الانحراف.
و عليه فإن المئسسات الدينية و الاسلامية لها خطاب نفسي روحي يحقق الراحة النفسية التي تنعكس ايجابيا على التفاعلات اليومية الموجودة في المجالات الأسرية المهنية و التعليمية، إلا أنه من الأهمية الاشارة الى خطوات هذا المنهج في البناء النفسي و الروحي:
أ/ بناء الطاقة الروحية:
من خلال العبادة، تلاوة القرآن، التفكر...، هذه الطاقة الروحية لاغنى للشخص عنها، حيث تؤثر في صيغة الأعضاء و المشاعر و السلوك و تؤثر أيضا في معالجة العلل و الأمراض النفسية، و من هنا فإن الانسان صاحب الطاقة الروحية القوية أكثر الناس انسجاما مع الحياة، و الأقدر على الوقاية من الانحراف وهو أكثر الناس قابلية للضبط الاجتماعي و احترام القيم الاجتماعية و أكثرهم ابتعادا عن الصراعات و الأزمات خاصة المادية منها، وهذه كلها مؤشرات صحية تشكل السلوك السوي و السليم.
ب/ بناء التزكية النفسية:
و هي من أهم المقاصد الوظيفية لمؤسسات التنشئة الاجتماعية الدينية الاسلامية، ومعناها تفريغ نفسية الأفراد من مختلف الأمراض و العقد المعطلة للارتباط الاجتماعي مثل الحسد، الغل، البغض، الغيرة و الأنانية، حب الذات و العجب...، ثم إعادة بناء هذه النفسيات من خلال اشباعها بقيم نفسية راقية تعيد انتاج الارتباط الاجتماعي و تحقق معاني التعاون و الاستقرار الاجتماعي مثل: المحبة، الاخاء، الرحمة، الحلم، الصبر، الوقار....، فكل هذه القيم تعمل على تحقيق الاستقرار النفسي و تساهم في بناء السمات النفسية السليمة التي تحقق توازن الشخصية حسب العالم النفسي " آلبورن " في نظريته حول السيمات، حيث أكد أن القيم هي سمات مركبة للشخصية تحتل مكانة واسعة من اهتمام الشخص و عنايته فتؤدي الى تحقيق الانسجام بين هذه الشخصية و كافة الفاعلية الاجتماعية و تخفف من حدة التورات و التفكك الاجتماعي.
ج/ القطيعة مع النوازع الغريزية:
لا شك أن الانسان تحتويه قوتان، احداهما تسمو بحياته الى الأعلى و هي القوة الروحية، و الأخرى غريزية تدفعه الى الحيوانية بما فيها من همجية و فوضى و خضوع لهيمنة المادة و ما تفرضه من الغاء لسلطة العقل و الأخلاق، لذلك فان المؤسسات الدينية الاسلامية تبني خطابا دينيا و أخلاقيا و روحيا و عقليا معاديا و محاربا للغرائز التي تؤدي الى انفصام الشخص عن بناءه الاجتماعي و ارتباطه مع حياته الشخصية و أهدافه الخاصة التي يسعى لتحقيقها بكل الوسائل، حيث ان حب المال، الشهرة، السلطة و الرئاسة من مسببات الانحراف.
من أجل هذا جاءت المؤسسات الدينية لمعالجة هذا الغرائز و الاقناع على تحقيقها بالوسائل المشروعةو تحويلها من خانة الغايات الى خانة الوسائل أي انشاء قابلية الامتثال وفقا للشريعة و خصائص البيئة الاجتماعية وهكذا يتم محاصرة أسباب الانحراف في العقل الباطن للشخص و بالتالي الحيلولة دون وقوعه عمليا.

02) البناء السلوكي و الاجتماعي:

أ/ التنشة الاستباقية
المؤسسات الدينية تعمل على صناعة السلوك السوي عند الأفراد ذلك أن المؤسسة الدينية تمنع الفساد و الخروج عن الأوساط الاجتماعية، فهي تعمل على صناعة الاتجاه الاجتماعي الموافق للقيم الدينية المثالية و متى تحقق المؤسسة الدينية هذا الهدف فإنها توظف حلقة من الآليات ذات الفاعلية في استباق حدوث الانحراف مثل: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر والدعوة الى الاخاء والتعاون الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية على مقاصد الشريعة الاسلامية التي تحفض النفس و الدين، العقل و المال و النسل، و كل هذا يعني وجود عمل منهجي لضمان السلامة الاجتماعية و حماية المجتمع من كل مايمكن أن يسوقه في ثقافته و فكره و قدراته و استمراره مما يؤكد على الغلق الكلي لمنافذ الانحراف، فهي بهذا تعمل على الوقاية الاستباقية من الوقوع في المحرم أو المصوغ الذي يمس القيم الاجتماعية و يخدش مشاعر الامة.
ب/ التعليم و السلوك الحضاري:
تعد المؤسسة الدينية بدون شك مؤسسة تعليمية رائدة بحيث يحفظ لها التاريخ أدوارها الريادية في نشر التعليم و الثقافة و مساهمتها في استمرار الاطار الحضاري للأمة، ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمية التعليم الديني في البناء الأخلاقي و السلوك المزاجي و المساهمة في الانخراط في السلوك الحضاري الذي يتميز بسلامة السلوك في الوسط الاجتماعي و الالتزام بالقانون و سلامة الأذواق و حسن التعامل مع الناس و الدفاع عن الحق و العدالة وحاربة الفساد و الأمراض الاجتماعية و الانحراف.
يضاف الى هذا عمل المؤسسات الدينية الاسلامية على انتاج و تطوير مهارات التحكم في الأعصاب و العواطف و السلوك و ادماجها في شخصية الأفراد أثناء تفاعلهم مع الأنساق الاجتماعية المختلفة التي يعيشون فيها أو مع المؤسسات الاجتماعية التي يتواصلون معها.
كما أن المؤسسات الدينية تعمل على توحيد التصورات و التقريب بين الأهداف من خلال توحيد العقائد و غرس القيم الأخلاقية و الاجتماعية الواحدة وبذلك يتم بواسطة التعليم و المنشورات و الوعظ و الأعمال الميدانية مع الجمعيات الأهلية مع العلم أن وحدة التصور و الأهداف تعزز من الوحدة الاجتماعية و الاستقرار و التقليل من السلوك الشاذ و المنحرف.

أخطاء المؤسسات الدينية و الانحراف


من المعروف ان الدين نظام أخلاقي يدعو الى حسن الخلق الا أن الخطاب الشائع في المؤسسات الدينية يعمل على عكس هذا المنحنى مما يؤدي الى ظهور سلوكيات منافية له و هي أيضا منافية للقيم الاجتماعية، و يمكننا إختصار هذه الأحطاء فيما يلي:

01) صناعة العنف:

العنف ظاهرة إجتماعية شائعة، لكن العنف الديني يحمل خصوصية مخالفة للعنف الآخر و يمكننا تحديده بمجموعة من الأسباب هي:
* الرغبة في التعبير عن الذات المتدينة.
* التعبير عن الرأي أو الفكرة المتدينة.
* الاختلاف الديني والفكري مع الآخر.
* الإقصاء.
* الاستصغار و عدم القبول الاجتماعي.
* الفهم الخاطئ للدين.
* الاستغلال السياسي الخاطئ للدين.
من خلال استعراض هذه الأسباب نجد ملاحظة هامة هي أن كل مسببات العنف الديني هي ردود أفعال للضغوطات المفروضة من المؤسسة الدينية أو المجتمع، فالعنف لا ينبع من عمق الدين.
- علامات العنف الديني:
* ميلاد و سيطرة الرغبة في المواجهة.
* ميلاد و سيطرة النزعة القتالية.
* الاتجاه نحو الشدة و القسوة على الآخرين.
* رفض الحوارو الاتصال مع المخالفين.
* الاتجاه نحو الإنزواء و العزلة.
* الشدة و القسوة على الذات.

02) صناعة الشخصية المتطرفة:

إن أخطر ما في هذه الشخصية هو الاعتقاد الجازم بأن الحقيقة المطلقة كلها محتكرة عند مجموعة ما، و أن أصحاب الآراء المخالفة هم عصاة لا يسمع إليهم. وهذا الاعتقاد نوع من العصبية و يؤدي في النهاية الى الالغاء و عدم الاعتراف بالآخر، وهذه الشخصية لها صعوبات و مشاكل في بناء علاقاتها الاجتماعية.
 و أيضا من اهم خصائص الشخصية المتطرفة توضيفها للطاقة النفسية السلبية مثل: الحقد، الغل، العصبية، الأنانية، الشك، عدم الثقة، العناد...، كل هذه الأمراض النفسية توضفها هذه الشخصية في اتخاذ المواقف المثيرة للاختلاف أو في الحكم على الآخر بالخطأ أو الخروج عن الملة، وكل هذا يوضف لإثبات الذات و الانتصار للأنا و ليس الانتصار للحقيقة أو من أجل اثبات بأنه الأكثر إلتزاما و مصداقية.
 ويمكننا تحديد خصائص هذه الشخصية بالمواصفات التالية:
* الاتجاه الإقصائي:
أي الغالب على هذه الشخصية هو عدم القبول المطق لكل ما يصدر عن الغير من أفكار و ممارسات إجتماعية من أجل هذا يعد الإقصاء و الإلغاء الميزة الظاهرة لهذه الشخصية، و تستعمل في ذلك مجموعة هائلة من الوسائل الاقصائية منها: الحصار، مارسة العنف ضد الآخر المخالف، الامبالاة، اثارة التشويش عليه.
* عدم القابلية للحوار:
الشخصية المتطرفة شخصية منزوية على ذاتها بحيث تعتقد بأنها هي المرجعية الوحيدة و لا يحق العودة الى غيرها،  لذلك ليس عندها ادنى استعداد للحوار و قبول الرأي المخالف لهذا لا يوجد عندها شيئ اسمه الحوار الهادف المبني على الحجة و اليقين و المعلومة الصحيحة و الاحترام المتبادل بعيدا عن الشتائم و الاتهامات.
* الرغبة في الهيمنة و السيطرة:
الشخصية المتطرفة لها استعدادت نحو الهيمنة و احتكار القوة و الدين والسلطة و هي تعمل على تكوين صورة خاطئة عنها قائمة على الهيبة و القوة، القدرة على القيادة، و هذا من أجل اكتساب الاحترام و الولاء و سائر المكاسب وهذا يعني أنها شخصية دكتاتورية و أحادية المنطق و الفكر.
* الالتزام الديني المغشوش:
الالتزام الديني عند هذه الضخصية هو التزام مظهري و شكلي و آني موجه للاستهلاك الخارجي بحيث يعجز المتطرف عن الوصول الى أعمق الايمان و حقيقته، إذ يكتفي بالسلوك الخارجي الذي يعطي صورة عنه للآخر بالالتزام و الوقار دون الاعتقاد بالحقيقة الدينية التي تصلح الأخلاق الفاسدة و تعالج الأمراض الاجتماعية.
 
Top